حبيب الله الهاشمي الخوئي

202

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لك ، مع أنها صوّرت لك من نفسها أبشع صور النفور والرّدع عن التقرّب بها . فتعرّض عليه السّلام لأنكى مصائب الدّنيا وأفجع حالة منها وهو النظر إلى قبور الاباء ومراقد الامّهات تحت الثرى ، وفي مرض الموت حين يتململون من الوجع ويلتمسون النجاة بكلّ جزع ، فيطلب الابن علاجهم ويركض وراء الطبيب والادواء لشفائهم فلا يغني عنهم شيئا . ثمّ نبّه عليه السّلام على أنّ ما يراه الإنسان من مرض الموت في أبيه وامّه وما يؤول حاله إليه من الهلاك والدفن تحت التراب مقدّر له ومصوّر تجاه عينه بالنسبة إلى نفسه ، وكفى بذلك عبرة لكلّ أحد . ثمّ بيّن طريق الاستفادة من الدّنيا وأنها تعاون على السعادة في العقبى ومدحها بأوصاف حميدة عدة : 1 - دار صدق لمن صدقها . 2 - دار عافية لمن فهم عنها . 3 - دار غنى لمن تزوّد منها . 4 - دار موعظة لمن اتّعظ بها . 5 - مسجد أحبّاء الله ، ومصلَّى الملائكة ، ومهبط الوحي ، ومتجر الأولياء اكتسبوا فيها الرّحمة ، وربحوا فيها الجنّة . ثمّ اعتذرت عن الدّنيا بأنها طلبت الفراق وأخبرت عن فنائها مع أهلها وصورت عذاب الآخرة وسرور الجنّة وقامت واعظة بليغة لأبنائها بحوادث العافية والفجيعة المتبدّلة ليلا ونهارا ، وكفى بذلك وسيلة للترهيب عن الشرّ والترغيب إلى الخير والتخويف والتحذير عن ارتكاب المعاصي . 4 - دواء نافع لرفع الكسل والاهمال العارض لكثير من الأشخاص وخصوصا الشبّان في هذا الزمان فيفقدون نشاطهم ويقطعون رجائهم عن الحياة ويتنفّرون من الدّنيا حتّى يقدمون على الانتحار وقتل النفس . وقد توجّه علماء علم النفس إلى نفخ روح النشاط والرّجاء بالحياة في عروق هؤلاء وتوسّلوا بكلّ وسيلة تبليغيّة ، وحكمته هذه من أحسن الوسائل وأنجع